محمد متولي الشعراوي

10512

تفسير الشعراوي

إن كليهما تذهب به الحياة ، لكن في الموت تذهب الحياة أولاً ، ثم تُنقض البنية بعد ذلك ، أما في حالة القتل فتُنقض البنية أولاً ، ثم يتبعها خروج الروح . فالموت إذن بيد الله عَزَّ وَجَلَّ ، أما القتل فقد يكون بيد البشر . وهنا نَهْى صريح عن هذه الجريمة ؛ لأنه « ملعون مَنْ يهدم بنيان الله » ويقضي على الحياة التي وهبها الله تعالى لعباده . وقوله تعالى : { إِلاَّ بالحق } [ الفرقان : 68 ] أي : حق يبيح القتل كرَجْم الزاني حتى الموت ، وكالقصاص من القاتل ، وكقتْل المرتد عن دينه ، فإنْ قتلْنا هؤلاء فقتلُهم بناء على حَقٍّ استوجب قتلهم . فإن قال قائل : فأين حرية الدين إذن ؟ نقول : أنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن ، لكن اعلم أولاً أنك إنْ ارتددتَ عن إيمانك قتلناك ، فإياك أنْ تدخل في ديننا إلا بعد اقتناع تام حتى لا تُعرِّض نفسك لهذه العاقبة . وهذا الشرط يمثِّل عقبة وحاجزاً أمام مَنْ أراد الإيمان ويجعله يُفكّر ملياً قبل أن ينطق بكلمة الإيمان ويحتاط لنفسه ، إذن : فربُّكَ عَزَّ وَجَلَّ يُنبِّهك أولاً ، ويشترط عليك ، وليس لأحد بعد ذلك أن يقول : أين حرية الدين ؟ وقوله تعالى : { وَلاَ يَزْنُونَ } [ الفرقان : 68 ] تحدثنا عن هذه المسألة في أول سورة النور وقلنا : إن الإنسان الذي كرَّمه الله وجعله خليفة له في أرضه أراد له الطُّهْر والكرامة ، وإنْ يسكن الدنيا على مقتضى قانون الله ، فلا يُدخِل في عنصر الخلافة شيئاً يخالف هذا القانون ؛ لأن الله تعالى يريد أن يبنى المجتمع المؤمن على الطُّهْر ويبنيه على عناية المربِّي بالمربَّى .